ابو القاسم عبد الكريم القشيري
61
لطائف الإشارات
فلمّا وافى موسى ذلك اليوم وشاهد ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رقّ قلبه لهما وقال : ما خطبكما ؟ فقالتا : « لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ » وليس لدينا أجير . فلمّا انصرف الرعاة سقى لهما ، ثم تولّى إلى ظلّ جدار بعد ذلك . كان الجوع قد أصابه خلال سفره ، ولم يكن قد تعوّد قط الرحلة والغربة ، ولم يكن معه مال ، فدعا اللّه : « فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » . قيل طلب قوة تزيل جوعه ، وقيل طلب حالا يستقلّ بها . والأحسن أن يقال جاع فطلب كسرة يسدّ بها رمقه - والمعرفة توجب سؤال ما تحتاج إليه من اللّه قليلا أو كثيرا « 1 » . فلمّا انصرفت ابنتا شعيب خرج شعيب إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية لميسّها بيديه فوجد أثر الزيادة في تلك الكرّة ، فسألهما فذكرتا له القصة ، وما سمعتا منه حين قال : « رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، فقال شعيب : إذا هو جائع . وبعث إحداهما لتدعوه : - « فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إنّ أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين » قيل إنما استحيت لأنها كانت تخاطب من لم يكن لها محرما « 2 » . وقيل لمّا دعته للضيافة تكلمت مستحيية - فالكريم يستحى من الضيافة . ويقال لم تطب نفس شعيب لمّا أحسن موسى إليه وأنه « 3 » لم يكافئه - وإن كان موسى
--> ( 1 ) لاحظ كيف طبق القشيري ( أدب السؤال ) ومتى يجب ؟ وكيف يجب ؟ على موقف موسى الغريب المسافر الجائع المتعب ، وهذه الإشارة موجهة من بعين إلى أرباب الطريق . ( 2 ) المحرم من الرجال والنساء الذي يحرم التزوج به لرحمه وقرابته . ( 3 ) الضمير في ( وأنه ) يعود على شعيب كما هو واضح من السياق .